حسن الأمين
46
مستدركات أعيان الشيعة
ويوم خرج « لطف علي خان زند » من شيراز قاصدا إلى « سميرم » لمحاربة « خان بابا جهان باني » عهد إلى « الحاج إبراهيم خان كلانتر » بتصريف الأمور في شيراز في غيبته ، لم يخطر في باله احتمال أن يكون هذا يضمر له نية الغدر به . فلما عاد إلى شيراز بعد هزيمته وجد أبوابها مغلقة في وجهه . فلم تخرجه هذه الصدمة الطاحنة المفاجئة عن طوره المعتاد ، بل تبسم وتمثل ببيت من شعر حافظ الشيرازي . ثم طلب حضور « الحاج إبراهيم خان كلانتر » ليخاطبه مشافهة ، فحضر وأخذ يخاطب « لطف علي خان زند » بالبوق من فوق السور . وجرى بينهما حوار طويل تبين منه الخان الزندي أن خصمه مصر على التمرد عليه وعصيانه . وكان من بقي مع « لطف علي خان زند » من جنده ثلاثمائة فارس فقط . وهم أقل من أن يستطيعوا فتح المدينة بالقوة ، فانصرف عنها إلى « بوشهر » يحاول جمع جيش يهاجم به شيراز . كان « الحاج إبراهيم خان كلانتر » قد ناصر « لطف علي خان زند » على « صيد مراد خان زند » بعد أن قتل هذا أباه « جعفر خان زند » وتملك في مكانه . وشارك مشاركة فعالة في إيصال « لطف علي خان زند » إلى منصب الملك . أما علة انحرافه عنه بعد ذلك ومواطاته « آقا محمد خان قاجار » عليه فقيلت فيها أشياء ، أرجحها أن « الحاج إبراهيم خان » كان يأمل أن يصبح « لطف علي خان » آلة في يده ، إذ سبقت منه هذه المنة عليه ، فيكون عنوان الملك للخان الزندي والأمر والنهي في يده ، يد « الحاج إبراهيم خان » . ولكن تبين أن هذا الأمير الشاب ، في قوة شخصيته ونبوغه ومروءته وشجاعته ووسامته ، أعلى شانا من يكون آلة مسيرة في يده ، فخاب أمله فيه . كان « لطف علي خان زند » سمح الخلق عادلا سخيا مفطورا على الخير رحيما ساعيا إلى تحسين أحوال المجتمع . وكان يقول : يصعب علي أن أرى وجها مغموما ، ولا أطيق أن أبيت [ شعبان ] شبعان وبنو [ قمومي ] قومي جياع . ولما كان في شيراز كان في بعض الليالي يتنكر ويخرج من قصره يتفقد المحتاجين ويحمل إليهم مساعدة . ولعله أول من فكر في الشرق بإنشاء ما يسمى اليوم « الضمان الاجتماعي » . ولو طال به العمر لأنشا مثل هذه المؤسسة . وكان ينوي أن يجعل في بيت المال راتبا لكل عاجز عن العمل وتحصيل المعاش . من أجل ذلك تبين « الحاج إبراهيم خان » أن لا أمل في إمكان التسلط على إرادة هذا الرجل فنفض يده منه . وسبب آخر جعل « الحاج إبراهيم خان » ينحرف عن « لطف علي خان » هو أنه أيقن بعد انكساره في وقعة « سميرم » أن الدنيا قد أدبرت عن الأمير الزندي الشاب وأنها مقبلة على « آقا محمد خان » . وقد تفرق جيش « لطف علي خان زند » شذر مذر ، وسيطول به الوقت ريثما يجمع جيشا آخر ، على حين لا يزال جيش « آقا محمد خان » في الذروة من قوته واجتماع شمله . وصل « لطف علي خان زند » إلى « بوشهر » - وكان حاكمها صديقا له - فساعده على تجهيز جيش كان جنوده يعدون من أشجع أهل فارس ، وسار به عائدا إلى شيراز . أما « آقا محمد خان » فقد أبلغ إليه ابن أخيه « خان بابا جهان باني » نبا انكسار « لطف علي خان زند » في « سميرم » فأنعم عليه باهداء خنجر مرصع إليه ، وأنعم على « الحاج إبراهيم خان كلانتر » بنصبه حاكما على شيراز وتلقيبه بلقب « اعتماد الدولة » وأنعم على أخيه « عبد الرحيم خان » الشيرازي بنصبه حاكما على جزء من فارس . وأرسل أحد رجال البلاط إلى شيراز لإحصاء مقتنيات « لطف علي خان زند » ومصادرتها . وكان يحسب أن لديه مالا كثيرا وأن كل ثروة « كريم خان زند » قد آلت إليه . ولكن تبين بعد الإحصاء أن تلك الأموال قد تناهبتها الأيدي في الحروب الأهلية التي وقعت بين الزنديين . وأن كل ما بقي في يد « لطف علي خان زند » هو أربعة بيوت في شيراز وثلاثة بساتين في خارجها وبعض الأثاث البيتي من فرش وغيره . قالوا إن « آقا محمد خان » يوم كان أسيرا عند « كريم خان زند » في شيراز كان يشفي حقده بتقطيع المفروشات الملكية الثمينة بالسكين . ولما صودرت له مفروشات « لطف علي خان زند » التي ورثها من بلاط « كريم خان زند » قال « آقا محمد خان » : لو علمت أن هذه المفروشات ستؤول إلي لما أقدمت على إتلافها بالسكين ! وهو قول مردود ، إذ لا يعقل أن يقدم رجل جدي متين الخلق مثل « آقا محمد خان » على القيام بهذا العمل الصبياني . ومع هذا كان القيم على أثاث بلاط « كريم خان زند » رجلا حريصا شديد الكراهية ل « آقا محمد خان » فليس يعقل أن يغفل عن قيامه بهذا العمل ، وليس يعقل أن لا يفطن « آقا محمد خان » ، وهو الفطن الذكي ، إلى أن القيم على الأثاث لا يمكن أن يغفل عنه ! وأمر « آقا محمد خان » بنقل نساء « لطف علي خان زند » وأبنائه من شيراز إلى طهران لينقلوا منها إلى « أسترآباد » . وقيل إنهم نقلوا من شيراز إلى « أسترآباد » بعد اعتقال « لطف علي خان زند » . وإذ كان « الحاج إبراهيم كلانتر » يتوقع عودة « لطف علي خان زند » إلى مهاجمة شيراز فقد طلب من آقا محمد خان « مددا فامده بجيش قيل إن عدته كانت عشرين ألفا وقيل خمسة آلاف ، يقودهم » مصطفى خان قاجار « . أما « لطف علي خان زند » فقد عاد من « بوشهر » بألف فارس قاصدا إلى شيراز لاحتلالها . وخرج « مصطفى خان قاجار » إلى لقائه خارج المدينة ليتفادى الحصار وترك الدفاع عنها في عهدة « الحاج إبراهيم خان » إذا هوجمت . وقبل أن يصل « لطف علي خان زند » إلى شيراز تلقاه « مصطفى خان قاجار » في خارجها . وكان ذلك في سنة 1205 أو 1206 هوكان بين ضباط « لطف علي خان زند » ضابط شاب شجاع اسمه « أبدال خان » ويلقب بلقب « عبد الملكي » . وكان من أشد الجنود إخلاصا للأمير الزندي الشاب . ومع أن جيش « لطف علي خان زند » لم يكن عدده يتجاوز ألف فارس وجند القاجاريين عدته ، على الأقل ، خمسة آلاف جندي ، فإنه لم يتراجع عن الحرب . فأفرد خمسمائة جندي من فرسانه جعلهم في قيادته على حدة . وأمر « أبدال خان » بالهجوم بخمسمائة فارس . فكر على جند « مصطفى خان قاجار بحملة صادقة أوقعت فيهم مقتلة عظيمة ولكنهم ثبتوا وعجز » أبدال خان « عن اختراق صفهم ، فتراجع عنهم لتنظيم فرسانه وإعدادهم لحملة أخرى . وليس في المصادر التاريخية ما يفيد تفصيلا عن هذه الحملة وخطة » أبدال خان « في الهجوم والتراجع . ثم قيامه في الحملة